شمس الأحبة
06-05-2007, 07:31 AM
موسم العودة الى"الشقاء"
ما ان يحل منتصف اغسطس(آب) من كل عام, حتى تتطاير "غربان" الشؤم من حولي, ويبدأ العد التنازلي لنهاية الاجازة الصيفية, واوان العودة الى المدارس, وهو عندي هم وغم وشقاء, لا يعلو عليها اي هم وغم واي شقاء.
ابني, ذو التسعة اعوام, يمقت المدرسة اشد مقت, وفي كل صباح مدرسي يفتح فيه عينيه, يأمل ان تكون ثمة عطلة مدرسية, غير مبرمج لها, حتى وان كانت لآسباب كارثية, أعلن عنها على حين غرة; فلعل حريقا اندلع في احد مختبراتها في الليلة الفائتة, فأتى عليها. ومن يدري فقد يضرب المدينة الامنة جغرافيا وتاريخيا زلزال لا يبلغ سوى مدرسته, او على الاقل فصله فيها.
لكن من حسن حظ قطاع من البشرية, هم رفاقه في المدرسة ومعلماته, فأن شيئا من تخيلاته السوداء لا يتحقق, بفضل العناية السماوية التي تظللنا برحمتها.
وكراهية صغيري العلم المدرسي, المقنن والمبرمج, لها ملحقات ونتائج. فلقد بات مع سنوات الدراسة, على قلتها, خبيرا في ابتداع كل انواع الاعذار التي يأمل, يائسا, ان تنفحه بعطلة اضطرارية. وبت بدوري اقل صبرا في التحايل عليه, كي ينهض من فراشه في الصباح ويرتدي زي المدرسة "الجميل", ويحمل حقيبته " الجميلة", التي تحمل صورة الشخصية الكرتونية المفضلة لديه, ويذهب الى مدرسته " الجميلة".
فمرة يشعر بمغص يبقيه في الحمام اطول من المعتاد, ومرة يصيبه غثيان يجعله يرغم نفسه على التقيؤ, ومرة صداع شديد يلم به فجأة, متزامنا مع وصول حافلة المدرسة التي تقله. (وفي مرة متطرفة, فقد بصره, فلم يعد يرى شيئا, وكدت والله, انا امه التي حفظت الاعيبه, اصدقه!). وفي كل مرة, كان " الشبشب" البلاستيك المتوافر دائما, يعالج مغصه وغثيانه وصداعه, او يرجع له بصره, بمعجزة, ليمضي الى مدرسته, وينهل العلم في النهاية صاغرا.
والنتيجة: ان ايامي, كما مساءاتي, مع صغيري"كاره المدرسه" استحالت الى معاناة ووجع راس لا ينقطع, اضحت معه اقراص " البندول" ذات الجرعة المضاعفة رفيقتي, بمعدل اربعة اقراص يوميا. اذ لايكفي ان اعود الى البيت من عملي مرهقة ومستنزفة و"مش طايقة" نفسي, حتى يستقبلني" صفر"ناله صغيري عن جدارة في امتحانما, او ملاحظة انتقادية قاسية مدونة على دفتره من احدى معلماته, او وظيفة مدرسية يتعين علي ان اتابعها معه, ناهيك عن الاشراف على مذكراته التي تشكل في حد ذاتها, لي وله على السواء, قمة صور العذاب والتعذيب, فلا يخلو الامر من صياح وعويل ولجوءالى العنف المنزلي, صفعة من هنا وركلة من هناك.
وحتى في ايام" الهدنة" او "الوفاق البارد" بينه وبين المدرسة, وهي شحيحة جدا, يطلع علي صغيري بمقترحات من مثل: ان يداوم شهرا ويعطل شهرا آخر, او" هل هناك مدراس, غير مدرسته, لا تدرس؟" وكان قد اقترح علي هذا العام, ان يترك المدرسة, بعدما اصبح يعرف القراءة والكتابة ويحل العديد من المسائل الحسابية, ويحمل رسميا شهادة الرابع الابتدائي.
قبل قليل, جاءني صغيري "يتحركش" بي كي الهومعه. قلت له انيي اكتب مقالا عنه. سألني بفضول حي:" عن ماذا؟". فأردت ان احفزه بشأن ما ينتظره: "اقول للناس انك ولد شاطر وتحب المدرسة وتعد الايام عدا كي تذهب اليها".
نظر الي بابتسامة خبيثة تراقصت في عينيه. لم يتكلم, عرفت من الآن ما ينتظرني.
منقول
ما ان يحل منتصف اغسطس(آب) من كل عام, حتى تتطاير "غربان" الشؤم من حولي, ويبدأ العد التنازلي لنهاية الاجازة الصيفية, واوان العودة الى المدارس, وهو عندي هم وغم وشقاء, لا يعلو عليها اي هم وغم واي شقاء.
ابني, ذو التسعة اعوام, يمقت المدرسة اشد مقت, وفي كل صباح مدرسي يفتح فيه عينيه, يأمل ان تكون ثمة عطلة مدرسية, غير مبرمج لها, حتى وان كانت لآسباب كارثية, أعلن عنها على حين غرة; فلعل حريقا اندلع في احد مختبراتها في الليلة الفائتة, فأتى عليها. ومن يدري فقد يضرب المدينة الامنة جغرافيا وتاريخيا زلزال لا يبلغ سوى مدرسته, او على الاقل فصله فيها.
لكن من حسن حظ قطاع من البشرية, هم رفاقه في المدرسة ومعلماته, فأن شيئا من تخيلاته السوداء لا يتحقق, بفضل العناية السماوية التي تظللنا برحمتها.
وكراهية صغيري العلم المدرسي, المقنن والمبرمج, لها ملحقات ونتائج. فلقد بات مع سنوات الدراسة, على قلتها, خبيرا في ابتداع كل انواع الاعذار التي يأمل, يائسا, ان تنفحه بعطلة اضطرارية. وبت بدوري اقل صبرا في التحايل عليه, كي ينهض من فراشه في الصباح ويرتدي زي المدرسة "الجميل", ويحمل حقيبته " الجميلة", التي تحمل صورة الشخصية الكرتونية المفضلة لديه, ويذهب الى مدرسته " الجميلة".
فمرة يشعر بمغص يبقيه في الحمام اطول من المعتاد, ومرة يصيبه غثيان يجعله يرغم نفسه على التقيؤ, ومرة صداع شديد يلم به فجأة, متزامنا مع وصول حافلة المدرسة التي تقله. (وفي مرة متطرفة, فقد بصره, فلم يعد يرى شيئا, وكدت والله, انا امه التي حفظت الاعيبه, اصدقه!). وفي كل مرة, كان " الشبشب" البلاستيك المتوافر دائما, يعالج مغصه وغثيانه وصداعه, او يرجع له بصره, بمعجزة, ليمضي الى مدرسته, وينهل العلم في النهاية صاغرا.
والنتيجة: ان ايامي, كما مساءاتي, مع صغيري"كاره المدرسه" استحالت الى معاناة ووجع راس لا ينقطع, اضحت معه اقراص " البندول" ذات الجرعة المضاعفة رفيقتي, بمعدل اربعة اقراص يوميا. اذ لايكفي ان اعود الى البيت من عملي مرهقة ومستنزفة و"مش طايقة" نفسي, حتى يستقبلني" صفر"ناله صغيري عن جدارة في امتحانما, او ملاحظة انتقادية قاسية مدونة على دفتره من احدى معلماته, او وظيفة مدرسية يتعين علي ان اتابعها معه, ناهيك عن الاشراف على مذكراته التي تشكل في حد ذاتها, لي وله على السواء, قمة صور العذاب والتعذيب, فلا يخلو الامر من صياح وعويل ولجوءالى العنف المنزلي, صفعة من هنا وركلة من هناك.
وحتى في ايام" الهدنة" او "الوفاق البارد" بينه وبين المدرسة, وهي شحيحة جدا, يطلع علي صغيري بمقترحات من مثل: ان يداوم شهرا ويعطل شهرا آخر, او" هل هناك مدراس, غير مدرسته, لا تدرس؟" وكان قد اقترح علي هذا العام, ان يترك المدرسة, بعدما اصبح يعرف القراءة والكتابة ويحل العديد من المسائل الحسابية, ويحمل رسميا شهادة الرابع الابتدائي.
قبل قليل, جاءني صغيري "يتحركش" بي كي الهومعه. قلت له انيي اكتب مقالا عنه. سألني بفضول حي:" عن ماذا؟". فأردت ان احفزه بشأن ما ينتظره: "اقول للناس انك ولد شاطر وتحب المدرسة وتعد الايام عدا كي تذهب اليها".
نظر الي بابتسامة خبيثة تراقصت في عينيه. لم يتكلم, عرفت من الآن ما ينتظرني.
منقول